محمد متولي الشعراوي

4064

تفسير الشعراوى

. . أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( 12 ) [ سورة الأعراف ] وسبحانه لم يسأل إبليس عن المقارنة بينه وبين آدم ، ولكن سأله وهو يعلم أزلا أنّ إبليس قد امتنع باقتناع لا بقهر ، ولذلك قال إبليس : أنا خير منه ، فكأن المسألة دارت في ذهنه ليوجد حيثية لعدم السجود . ولا يصح في عرفه الإبليسى أن يسجد الأعلى للأدنى ، فما دام إبليس يعتقد أنه خير من آدم ويظن أنه أعلى منه ، فلا يصح أن يسجد له . وأعلى منه لماذا ؟ لأنه قال : خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ فكأن النار لها علو ، وهو في ذلك مخطىء تماما لأن الأجناس حين تختلف ؛ فذلك لأن لكل جنس دوره ، ولا يوجد جنس أفضل من جنس ، النار لها مهمة ، والطين له مهمة ، والنار لا تقدر أن تؤدى مهمة الطين ، فلا يمكن أن نزرع في النار . إذن فالخيرية تتأتى في الأمرين معا ما دام كل منهما يؤدى مهمته ، ولذلك لا تقل : إن هذا خير من هذا ، إنما قل : عمل هذا أحسن من عمل هذا ، فكل شئ في الوجود حين يوضع في منزلته المرادة منه يكون خيرا ، ولذلك أقول : لا تقل عن عود الحديد إنه عود مستقيم ، وتقول عن الخطاف : إن هذا عود أعوج ، لأن مهمة الخطاف تقتضى أن يكون أعوج ، وعوجه هو الذي جعله يؤدى مهمته ، لأن الخيرية إنما تتأتى في متساوي المهمة ، ولكن إبليس قال : قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ . . ( 12 ) [ الأعراف ] قالها للمعاندة ، للكبر ، للكفر حين أعرض عن أمر اللّه وأراد أن يعدل مراد اللّه في أمره ، وكأنه يخطّىء الحق في أمره ، ويردّ الأمر على الآمر . فما كان جزاء الحق سبحانه وتعالى لإبليس إلا أن قال له : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 13 ] قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ( 13 )